الرئيسية | شعر | مقالات | تبراع | عادات وتقاليد | موريتانيا | إتصل بي |

الثلاثاء، 11 مارس 2014

عادات تقاليد نساء البيظان

مقدمة

من الواضح في رأي البعض أن أفراد المجتمع الذين ينتمون الى عالم واحد ، يشتركون في أمور كثيرة في اتجاهاتهم السياسية ، الأخلاقية و الدينية بل انهم ليشتركون إلى حد بعيد في الطريقة التي ينظرون بها الى العالم في تصنيفهم للأشياء المحسوسة والمعاني التي يتضمنها هذا التصنيف ، إن أفراد المجتمع الذين يشتركون في تاريخ واحد ، تسوده أنظمة وأعراف ، تقاليد و معتقدات هي التي تنظم السلوك ومدى ملاءمته ، وذلك في جوانب عديدة مثل تناول الطعام والتنشئة الاجتماعية للأبناء وطريقة الاحتفالات ( زواج ، عقيقة ... الخ ) و الاختلاف لا يكون مقتصرا من هذا الجانب فقط ، لكن الاختلاف يكمن في مدى تطبيق هذه المعتقدات .
ولاضفاء طابع الاستدلال على نقطتنا هاته ، نحط الرحال في منطقة وادنون بالجنوب المغربي ، وذلك قصد الكشف عن جوانب من العادات و المعتقدات باعتبارها جزءا لا يتجزأ من موروث ثقافي أصيل أفرزته مجموعة من الشروط الخاصة بعقلية متسمة بروح الحفاظ على كل ماهو متجذر في الزمان والمكان . سمحت المعاينة الميدانية عبر أرجائه في استجلاء حقيقة لا مجال لانكارها ، ترجع الى فئة اجتماعية محددة ضمن البيئة الصحراوية ، انها ظاهرة منتشرة بكثافة ان لم يكن في المكان والزمان كما قلنا فعلى الأقل في عقلية أبنائها ، يصعب فصلها عن تفكيرهم وكيفية نظرهم اليها . انها ظاهرة السمنة أو مايعرف باسم ( التبلاح ) عند الصحراويين ، إنها طريقة ونمط تفكير ممتد منذ زمن بعيد ، تتطلب معالجتها الوقوف عند مجموعة من الآراء المستقاة ميدانيا على لسان عنصر نسوي ، لكونها مرتبطة بالدرجة الأولى ، ومن العنصر الآخر بالدرجة الثانية . وطبيعة نظرتهم إلى المرأة السمينة ، والهدف من السمنة في هذا المجتمع سواء أتعلق الأمر بها قديما أم في حياتنا المعاصرة .

صحيح أن لكل ظاهرة معينة – عادات وتقاليد – لكي يكتب لها الإنتشار ، لابد من تداولها أبا عن جد بطرق تحفظها وتمنعها من الزوال ، الشيء نفسه ينطبق على السمنة باعتبارها تقليدا محفوظا استدعا الحفاظ عليها وتداولها عن طريق اختراع وصفات تحميها من الإندثار لكي تصبح قانونا متجذرا ومفروضا بين النساء الصحراويات .


ظاهرة التبلاح بمنطقة الصحراء 

تعتبر ظاهرة " التبلاح " من التقاليد والعادات الموروثة في المجتمع الصحراوي بحيث ظلت هاجس النساء .
وتحرص الجدات والأمهات بشكل خاص على تسمين الفتيات الصغيرات بمجرد بلوغهن سن ست سنوات ويجبرن على تناول كميات كبيرة من الموادالغنية بالسكريات والذهنيات والسعرات الحرارية العالية .
عند بلوغ الفتاة ست سنوات تفكر الأم في تسمينها وذلك بإعداد وصفات غنية بالذهون والسكريات والسعرات الحرارية العالية وتعطي الأم هذه الوصفات لإبنتها سريا دون علم بقية إخوتها بذلك وعند بلوغ سن الثالثة عشرة تقصد بها والدتها سيدة مشرفة على التبلاح تسمى " المعلمة" وهذه السيدة غالبا ماتكون متقدمة في السن ولها خبرة طويلة في التسمين ولها دراية أيضا بالأعشاب المستعملة في عملية التبلاح وتستقر بالضرورة في خيمة وتتوفر على خيام لإيواء الفتيات من جميع أنحاء المنطقة وتقول " مكبولة " وهي عجوز في عقدها السابع كانت معلمة فيما مضى بحيث كانت تقوم بتسمين فتيات منطقتها تحدثنا باللهجة الصحراوية فتقول يجوني طافيلات من كل بلد باش نبلحوهم تهيء هذه السيدة برنامجا يتضمن تداريب قاسية ، تفرض على المستفيدات من العملية ، الإستيقاظ في وقت مبكر وتلزمهن على الإفطار بدروة الجمل التي يتم تذويبها وخلطها بأعشاب تسمى بالصحراوية الصدار مثل أزوكني الزعتر ، الخزامى ... ثم يتناولنها بكمية كبيرة ، بعد ذلك يتم إعداد حساء يسمى بالحساء الأحمر يعد من دقيق الزرع والماء والسكر ويترك فوق نار هادئة إلى أن يصبح أحمرا فترغمهن على تناول جيرة كبيرة من هذا الحساء وبعد ساعة كاملة من تناوله تقوم المعلمة بإحضار شكوة مليئة باللبن المحلى بالسكر ويعرف بإسم الزريك فتلزم الفتيات بشرب كميات كبيرة من ذلك المزيج وتقول "حجبوها" لقد شربت مايناهز عشرون لترا من الزريك في اليوم الواحد إلى أن شعرت برأسي يدور وأغمي علي ولا أنسى تلك الأيام التي ذقت فيها الأمرين من جراء الطعام الغث الذي تفرضه علينا المعلمة فقد كنت أتمنى أن تنكسر الجرار ، وتموت الإبل حتى لا تنتج لبنا والأكثر من هذا كنا عندما نتبادل أطراف الحديث عن تلك المعاملة القاسية ، التي تفرضها علينا المعلمة نتمنى لها الموت حتى نرتاح من هذا الكابوس المزعج .


وحين يحين موعد الغذاء ، يتم تناول كمية كبيرة من العجنة فهي بمثابة مقبلات ثم يضاف إلى قائمة الطعام التي تعدها المشرفة على التبلاح اللحم( خروف كامل) المطبوخ بالزبدة وتقول" مكبولة" من الأفضل أن تأكل الفتاة لحم جدي أو خروف كاملا كل يومين" أحسن لها توكل لحم شاة باش تسمن بالزربة وتلحك عني دار أهلها باش إعرسوها" .
وتقول أيضا بأن تسمين بعض الفتيات يحتاج إلى تكرار العملية مدة فصلين أو ثلاثة فصول متتابعة ويبقى الطموح من هذه العملية أن تتضاعف كتلة الفتاة مرتين أو ثلاث مرات . وتقول" دريميزة" وهي إحدى تلميذات مكبولة وتبلغ من العمر 45 سنة وهي أم لخمسة أبناء ، كانت من بين اللواتي خضعن لنظام التبلاح . تقول بأنها كانت تحس بإحراج شديد وبالخجل من وزنها ، حينما تعود إلى البيت في فصل الصيف ، حيث حرمتها بدانتها من اللعب وجعلتها تبدو أكبر من سنها ، "ملي نرجع عند أهلي كنت نعود حشمانة بي عت سمينة بزاف وكنت نشوف صحباتي ومانكد نلعب معاهم بي عت نبان كبر منهم" .
وزيادة على الوصفات المعدة للتسمن فإن النساء الصحراويات يفرطن في الأكل بشكل كبير ، بحيث يتناولن أكثر مما يحتاج إليه الجسم من مواد ذهنية وسكرية ويفرطن بالموازاة مع ذلك في الخمول والكسل وقلة الحركة مما يجعل الجسم يختزن الفائض ويحوله إلى شحوم .


الوصفات والطرق

ففي الوقت الذي ساد فيه الإعتقاد بإمكانية زوال هذه الأساليب والعادات الإجتماعية وانمحائها بصفة كلية من المجتمعات الصحراوية الحديثة نجد بأن ظاهرة التبلاح صارت مهنة مؤسسة بين سائر النساء الصحراويات ، أدخلن عليها عدة تحسينات وتغييرات تتماشى ومتطلباتهن . لقد أبدعت النساء في إختراع وصفات وطرق شتى توضع نصب أعينهن من أجل الوصول إلى حالة السمنة هاته ، بإعتبارها هدفا تسعى إليه كل الصحراويات الراغبات فيها ، سواء أكان الدافع وراء ذلك جماليا ، أم شروط التقليد الأعمى لموروث الأسلاف ، أم رمزيا مرتبطا بكرم العرب - طباعهم منذ الأزل ...

ومن طبيعة كل التقاليد البشرية وجود نوع من السياق الثقافي الذي تنشأ فيه والذي تحكمه شروط تطبيقه . فالسمنة عليها ما على هذه التقاليد ، فسياق ظهورها هو الإرث الثقافي الموروث لكن تطبيقها يتم عبر وصفات متنوعة .

وفيمايلي تفصيل لهذه الوصفات


1 الحكين


هي عملية تستهدف غسل الأمعاء بواسطة أعشاب منقوعة في ماء البحر ، بحيث تتفق مجموعة من النساء على القيام بالحكين . يستيقظن في الصباح الباكر ويتوجهن إلى البحر أو أي مكان خال من الناس . وتتم بالتناوب بينهن ، خلالها يتم ملء الأمعاء بالمحلول المنقوع . وهي عملية قاسية نوعا ما تشعر النساء أثناء إجراءها بألم في أمعائهن . تشرف على إنجازها للفتيات إمرأة متقدمة في السن ، وذلك بإجبارهن بقوة على الحكين وفي هذا الصدد تقول" بنت خوالها"" يطير لحكين ونهاروا نهار راهو واعر ياسر ويكطع لمصارن" . وتقول أم بنت خوالها" الناها"" يطيرهم الطفيلات مايبغوا يحكنوا راهو لحكين زين كبالا" . معنى هذا ، أن الحكين يساعد على تنظيف الأمعاء من رواسب بعض السموم العالقة في الجسم حسب الإعتقاد السائد عندهم .

ترافق عملية الحكين شرب كمية كبيرة من ماء البحر حيث تقول" الناها"" يحكنوا أوملي زاد كرتعوا ياسر من ما لبحر ونصصات باش يكدفو كبالا" .

يعني أن الهدف من هذه العملية شرب ماء البحر هو التقيء ، تستمر لمدة 3 أيام خلالها تمنع المستفيدات من تناول أية وجبة ما عدا الحساء الأحمر الذي تعوض به كل وجبات النهار .


2 الدجريا


هي عملية غسل المعدة بواسطة خلاصة أعشاب مكونة من العلك الورد العنب الجاف أو الزبيب الخزامة التمر حب الرشاد الحبة السوداء الريحان كمون الصوفي جعدية سلمية السنة الصريع . لإنجازها بصورة جماعية ، تجتمع تلة من النساء اللاتي سبق لهن أن أعددن لتهييئها ما يكفي من الأعشاب تقول فاطمتو غدا لاهي نبكرو باش نعدلو الدجريا .

تستيقظ النساء باكرا ويقمن بإعداد تلك الأعشاب السالفة الذكر ويتم طبخها مع الماء وخلطها مع الحليب ويشرب مستخلصها بكميات كبيرة شريطة عدم تناول أي وجبة طيلة النهار وبعد ذلك تظهر مجموعة من الأعراض كالغثيان وألم في البطن وتنتهي هذه الأعراض بإسهال حاد يدوم طيلة اليوم .


3 الليك


الليك هو مجموعة أعشاب طبيعية تتكون من شدك الجمل وذينة الحلوف الريحان الحلحال ذنبالة هندية تريلة كوزة صحراوية السيكران تارة زريعة الكتان التمر الخزامة الثومة الحمراء السالمية زيت الزيتون . تطحن هذه الأعشاب ويتم مزجها مع زيت الزيتون وتصنع منه كويرات صغيرة وهذه الوصفة ذات مفعول قوي في تسمين المرأة خاصة في النصف السفلي .


4 العجنة


هي عبارة عن وصفة للتسمين ، وتتكون من الكرتة واللوز الصوجا الشوكلاطة التمر عسل النحل الدغموس سمن الماعز الحبة السوداء حب الرشاد إيلان الكوزة زنجلان حبة حلاوة النافع زريعة الكتان الكركاع الحلبة الديكادرون أبتين أنتنونكس أوراديكسون . يمزج الكل ويشكل على هيئة عجنة يتم تخميرها ، تتناول بل كل وجبة غذائية .


5 القدر


هو إناء طيني يقابله مصطلح الطنجية المعروفة عند أهل شمال المغرب . في هذه العملية تقوم المشرفة على التبلاح بدهن المنطقة المراد تسمينها ، توضع شمعة ، فوقها القدر مع ترك جانب منه مفتوحا لإدخال الهواء ، بعد أن يسخن القدر بواسطة حرارة الشمس ، تسحب هذه الأخيرة من داخله . تقوم المشرفة بالضغط على تلك المنطقة ثم سحبه بسرعة ، بهذه الطريقة يصبح الجلد لينا طيعا تاركا فراغا يملأ بالشحم فيما بعد .


6 عصا الخيزرانة


هذه العصا تكون حاضرة في حصص التسمين التقليدي وتدخل ضمن برنامج التسمين الذي تشرف عليه المعلمة تقوم هذه الأخيرة بضرب الفتيات في المناطق التي يرغبن في تسمينها ، تكون هذه الضربات حقيقية ومتتالية وتهدف إلى ترك فراغ بين الجلد والعظم وتعطي هذه العملية نتائج فعالة في التسمين .


نظرة المجتمع الصحراوي للمرأة السمينة

تكاد السمنة والبدانة تكون مقدسة لدى الصحراويين ، فالسمنة هي في كثير من الأحيان معيار الجمال والكمال في نظرتهم للمرأة يقول" محمد سالم ولد الشيخ ماء العينين" وهو في حوالي 60 من عمره " آش لهي نكول ليك نبغوا العلايات يعودوا مبلحات ... " .

هكذا أخذ يتبادل معي أطراف الحديث مشيرا إلى أن الرجال يحبون النساء الشديدات البدانة ، الرخوات ، ذوات البشرة الفاتحة والبراقة ، أما جمال الوجه فهو شيء غير مهم بالنسبة لهم .

يتضح هذا الأمر بجلاء في عبارته الواردة بالحسانية" لمرا لا يعود لي عاد تو خاصها تعود سمينة وتوف ". بمعنى أن الرجال الصحراويين بصفة عامة يعشقون الكتلة الضخمة ووفرة الشحم واللحم ، استفسرته عن السبب وراء حب الرجال للمرأة السمينة أجاب" آش لهي نكول ليك لاحنا فداك الزمان لفراش لي يعود فلخيمة ماهو خالك نفرشو لا حصيرة السمار وكيف تعرفي سمار راهو كاسي ويدك وهذا علاه نبغو لعلايات يعودو مبلحات" . معنى هذا الكلام أن الرجال ينامون على حصيرات وهي مصنوعة من نوع من النباتات الصحراوية القصيرة بها أشواك ، فلابد لنسائهم أن يكن مريحات ووثيرات وفي مقابل هذا لا يجب على الرجل أن يكون سمينا ، لأن هذا يعد شيئا معيبا للرجل ويحول دون إقامته علاقتة متوازنة مع المرأة خاصة من الناحية الجنسية وفي هذا الصدد يقول" محمد سالم"" الرجل إلى عاد سمين راهو عيب إطيرو وطير كادو مع مراتوا" .

سألته عن المرأة النحيفة ومكانتها في المجتمع الصحراوي فأخذ يضحك ثم قال" آهه ماهي نافعة ألايجي لعجاج ويطيرها".

والغالب في الأمر كله من خلال الأحاديث التي أجريتها مع ثلة من الشباب الصحراويين أن فكرة استحسان وأفضلية المرأة السمينة هي السائدة عندهم . لتمتد بذلك فروع هذا العشق للنساء البدينات .

وصولا إلى عصرنا الحالي والغريب في الأمر أنها تسربت إلى أوساط هذا المجتمع بمختلف شرائحه بما فيه شباب مثقفون ، نكاد لا نجد له تبريرا ت منطقية ماعدا تفسيرا واحدا بكل بساطة ، إنها طبيعة النشأة والتكوين في مجتمع يأبى الخضوع لكل ماهو خارج الموروثات .
فبالرغم من إنفتاح الرجل على العالم الخارجي وإلمامه بمختلف الثقافات كما ذكرنا – آنفا – ومهما بلغ مستواه المعرفي ، نجده متمسكا بمجموعة من العادات التي لا يتقبلها العقل خصوصا فيما يتعلق بطقوس الزواج . وتعتبر السمنة أحد أطرافه لأنها تعد أولى الشروط المطلوبة في الفتاة المراد الإرتباط بها وبما أن المجتمع الصحراوي يقدس رابطة الزواج هذا الأخير الذي بدوره يوفر للمرأة الإحترام والمكانة المهمة داخل المجتمع ، لكونها عماده وأساس نهوضه ، لما تتمتع به من حقوق منصوص عليها تعيش في حماها .
موازاة مع ذلك ، نصادف أن هذه الحقوق قد تم تجاوزها إلى أمور تقيد المرأة الصحراوية وتمنعها من التمتع بها ، فتضع بذلك عقبات في وجهها ، تعزى إلى طبيعة النشوء في بيئة موصوفة بحب الذات الصحراوية ونبذ كل تقليد خارج عن موروثاتها سواء ما تعلق منها بطبيعة ( اللباس ، الزواج أوغيرها ... ) مما دفع بالأمر إلى إعتبار ( رابطة الزواج ) عادة مقدسة ، تستلزم مجموعة من التعاليم التقليدية التي يجب اتباع شروطها ، حتى يصبح في منزلة الزواج الحقيقي في تصور الصحراويين . فالمرأة المرغوب في الإقتران بها يجب النظر إليها من زاويتين :
أولا : أن تكون ذات حسب ونسب صحراويين ( القبائل المرموقة ذات الأمجاد العريقة ) . ثانيا : وهي موضوع عرضنا ، أن تكون قد بلغت حدا من البدانة الجسمية التي تسمح لها ليس بالزواج فقط ، بل لتصبح في مستوى النساء الجميلات ، لأن المرأة التي تتمتع بقدر من الجمال عندهم هي المرأة البدينة هذا يضطر النساء الصحراويات إلى اللجوء أو بالأحرى إلى الإحتماء بهذه الشروط المفروضة – نظرات الأهل والمجتمع الساخطة – التي تعيب كل إمرأة لا تتوفر على قدر مهم من البدانة ، لأنها في نظرهم لا تصلح للزواج بسبب نحافتها التي لا تساعدها على مسايرة أمور حياتها الزوجية حسب إعتقادهم ، ولأنها أيضا لا تحافظ على ماء وجه أهلها نظرا لما يتعرضون له من الإحراج عندما ينعتون بأناس ليسوا كرماء ، هذه الضرورة الملحة التي تقود النساء الصحراويات إلى الإسراع بتسمين فتياتهن وجعلهن في مرتبة الجميلات وبالتالي تزويجهن في أقصى مدة ممكنة وباستمرار هذه المعتقدات والآراء التي تقضي بأفضلية المرأة البدينة منذ سنين خلت ، تتجذر الموروثات وتمتد إلى وقتنا الراهن والتي نعتبرها نحن مجرد إعتقاد ليس إلا ، تسببه طبيعة البيئة والثقافة اللتان ساهمتا في ذلك بإعتبارهما عنصرين فعالين ساهما في إطلاقنا حكما على هذا المجتمع ونعته – ليس بالتخلف كما يطلق عليه البعض – ولكن هو مجتمع تحكمه سائر القوانين التي تحكم أي مجتمع كائن أو بائد ، متأثر بالبيئة والزمان والمكان كعناصر ساعدت على إفراز نوع معين من التصورات الموحية بكيفية النظر إلى الحياة وترجمتها ، إلى شكل من أشكال المعتقدات والتقاليد مخلفة ورائها كل المعارف والثقافات المسبقة في أوساط الشباب خصوصا الفئة المثقفة ، إنه حب التقليد ليس إلا .


ظاهرة التبلاح في العصر الحديث

رغم التطور الحاصل في الحياة البشرية ، وسيادة الحياة المدنية بفضل الثورة التكنولوجية والتطور الحضاري ، فإن ظاهرة التبلاح لازالت سارية المفعول إلى يومنا هذا ، والخطير في الأمر هو تغيير طريقة التسمين التي كانت تعتمد في الماضي على مواد طبيعية غير ضارة بالجسم ، حيث أصبحت تستعمل وصفات طبية مخصصة لبعض الأمراض ، فإذا كانت ظاهرة حبوب الهلوسة منتشرة بكثرة في مناطق كثيرة بالمغرب وتؤدي بالمدمنين عليها إلى الإنتحار البطيء ، والإنتقام من الذات . فإن الأمر لا يقل خطورة عن ذلك في منطقة " واد نون" ، إلا أنها تقتصر بصفة خاصة على العنصر النسوي . فحسب معاينة الظاهرة عن قرب طيلة العشر سنوات الأخيرة تقريبا ، أكثر ما أثار إنتباهي هو موت العديد من النساء بسبب تناول تلك الأدوية المحظورة من قبيل : " الديكادرون – أوراديكسون – برنافول – انتروك – بيرفتال – نورافيت – بريكتنين – ابتين " . من بين هذه الأدوية يعتبر الديكادرون وأوريدكسون من أخطرها على الصحة .
تقبل النساء على مزج هذه الأدوية بالأعشاب التي سبق ذكرها ( العجنة ) . وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوصفات تعمل على الإخلال بوظائف بعض أعضاء الجسم وشل حركتها . فطيلة سنوات إقامتي في هذه المنطقة ، بالضبط منذ التسعينات من القرن الماضي ، لفت إنتباهي ظاهرة موت شابات بسبب السمنة كل هذا نتيجة تعاطيهن ( للديكادرون ) فأغلب المآثم التي حضرتها لتلك السيدات كثيرا ما أسمع عبارات تتكرر على مسامعي من قبيل : " يالالي ملعكني يوكلوا الديكادرون ويدير ليهم الشحمة على الكلب ويكتلهم " . " كلات الديكادرون ودار ليها لما بين الشحمة والجلدة وماتت" .
اللافت للإنتباه أنه بالرغم من معرفة النساء لخطورة مسبب السمنة " الديكادرون " يظل هوس السمنة المبجلة عندهم فوق كل إعتبار ، والأغرب من هذا كله يتجاوزه إلى المثقفات من النساء ، ويعود هذا إلى سيادة ثقافة السمنة بالتالي قد تضرب كل معرفة مسبقة بهذه الخطورة عرض الحائط ، زيادة على ذلك ، أن هذه الظاهرة فرضتها قيود الخوف من التقاليد الموروثة المتعصبة أبا عن جد .
تتداخل عدة عوامل تجعل المرأة هي المتلقي الأول الذي ساهم في نشر تلك العقلية السائدة بإعتبارها أقوى ذاكرة لحفظ التراث الثقافي الشفوي وخير معبر ومبلغ وملقن له عبر الأجيال المتعاقبة . كما أن التفاوت الحاصل بين الرجل والمرأة في الإستفادة من مختلف العلوم والمعارف جعلها رهينة سجن تلك العقلية العتيقة القائمة على تقديس كل موروث ، فمحدودية تلك المعارف وسم عقليتهن بالإقتصار على كل ما نقل عن الأسلاف لكونه المصدر الوحيد الذي يستحيل فصله في الغالب على كل مظاهر الحياة من أكل وشرب ولباس وإحتفالات ...
لهذا تظل تلك التقاليد كتابا مقدسا ، وإنهن له لحافظات تلزمن عنوة على إتباع بنوده من دون تعديل أو حتى تجريح ، لذلك فقانون السمنة المفروض على نساء الصحراويين ملزمات إذن بالرضوخ له وإتباعه منذ نعومة أظفارهن ، كما تملي بذلك شرائع الوصفات التي تدخل في هذا الباب للوصول إلى مبتغى تلك الموروثات القائمة على التسمين ، الذي يعتبر رمز الأنوثة والكرم طابع العرب منذ القديم .


الهدف من وراء التبلاح

تقول إحدى المشرفات على التبلاح ، بأن الهدف منه هو أن تتعلم الفتيات الهدوء والإتزان ، فالبدانة عندهم رمز للرزانة والإنضباط ، ومقياس للجمال فإذا عدنا إلى التاريخ نجد أن الدافع يكمن في أن النساء السمينات تحميهن سمنتهن من الإختطافات التي يتعرضن لها آنذاك ، إذ يصعب على المختطفين حمل إمرأة سمينة ، في حين يسهل عليهم حمل خمس نساء نحيفات على جمل واحد .
كما تعد السمنة مظهرا إجتماعيا دالا على رغد العيش ووفرة الغذاء عند الأهالي الصحراويين ، التي تعتبر البدانة تعبيرا عن غناها وكثرة متاعها .
ينضاف إلى ذلك ، إعتقاد جل الصحراويين أن السمنة تقي نسائهم من العين والحسد في فترات الحمل ، ذلك أن بدانة أجسادهن تساعدهن على إخفاء بطونهن المنتفخة ، وبالتالي درء كل الأخطار التي تنجم عن أعين الحاقدين . كما كان عندهم تصور طريف حول السمنة ، يتجلى في أن الجسد الممتلىء يساهم في ستر العورة حتى لو تجردت النساء من الملابس ، ذلك أن وفرة الشحم واللحم حول منطقة البطن تساعد على حجبها بسبب الترهلات الناجمة عنها .
من الأهداف الكامنة وراء التبلاح في إعتقاد الصحراويين نجد أن البدانة التي تتمتع بها أجساد نساءهم تساعد على تجنب الإحساس بالبرد خلال الأيام الباردة ، لإعتقادهم أن البدن الممتلىء يعمل كواق ضد القر ، ولإيمانهم كذلك بأن السمنة تعين على توفير الحرارة المناسبة للجسم والحفاظ كذلك على تلك الحرارة ، تجنبا لبعض الأمراض التي تنجم – في نظرهم – عن البرودة كآلام المفاصل ، و آلام الصدر .
وبما أن النساء الشديدات البدانة تضطرهن سمنتهن إلى الجمود فإن مجتمعهن بالتالي – كما أسلفنا – يشهد لهن بالإتزان والهدوء لذلك لابد أن يكون لهذا الإتزان وضعية تلاءم نمط حياتهن ، فطريقة جلوسهن مثلا أثناء السمر وتبادل الأحاديث الحميمية ، تتخذ شكلا مغايرا لماهو مألوف لدى الناس عامة ، إذ أن النساء في أثناء ذلك لايجلسن على مؤخرتهن ، بل ينمن على بطونهن متخذات الوسادة " أصرمي " كمسند لهن تحت أذرعهن إعتقادا منهن أن الجلوس على المؤخرة يحول دون نموها وكبرها . كذلك لأن البطن الممتلىء عندهن يحل محل المؤخرة في الجلوس بل هو أكثر راحة منه في هذه الوضعية ، نظرا لليونته بسبب إنتفاخه جراء السمنة التي تساعد على الشعور بذلك أثناء الإسترخاء . تقول في هذا الصدد السيدة "سحابة " :" حنا لاهي نركدوا على كروشنا لاباش مانعياو وكيف تعرفي ، لكعاد على الورك راهو ماهو زين صه في لمرا " . من أهداف السمنة أيضا ، درء السخط الذي يتلقاه أهل الفتيات النحيفات من طرف المجتمع جراء إمتلاكهن أجسادا تشبه أجساد الرجال – في نظرهم – لعدم سمنتها .
كذلك نجد سعي النساء الصحراويات للحصول على الإعجاب والقبول من طرف أفراد المجتمع . ليتمكن في النهاية من الزواج وإرتقاء أعلى درجات الود والإحترام لتستجيب بذلك لنظرة المجتمع .
وكما هو معروف فمن طبيعة الزي الصحراوي أنه يمتاز بأنه فضفاض وواسع ، لذلك كانت السمنة حاضرة لتناسب هذا النوع من اللباس . كان هذا جردا لمختلف أهداف التسمين التي تعرفه الأوساط الصحراوية قديما وحديثا ، جادت به معاينتنا الميدانية لهذه الظاهرة " التبلاح " ، إنها تحمل إعتقادات طريفة ، ولكنها تملك دلالات وحمولات تتعلق بفئة مجتمعية تشكل جزءا لا يتجزء من مجموع الثقافات والإعتقادات التي تحكم بني البشر .

خاتمة

نخلص مما تقدم ، أن السمنة تشكل جزءا لا يتجزء من تقاليد خاصة بفئة معينة تعبر عن عقليتها وكيفية نظرها إلى الحياة ، تم الكشف عن نقابها بواسطة معاينة ميدانية في أرجائها ، والتي ساعدت على معرفة نوع نمط التفكير يسوده طابع التقليد الذي يستند على الموروثات المكتسبة يصعب في كثير من الأحيان تصوره بعيدا عن هذه البنية الإجتماعية ذات الأصول المتجذرة منذ القديم حتى عصرنا الحالي ، إنها – السمنة – نتاج فكر يفرض نفسه نتيجة شروط على فئات معينة يوجدون في وضعية إجتماعية وثقافية مختلفة ، إنها إنعكاس ورؤية للعالم يعمل عمل نائب عن هذه الفئة المجتمعية بواسطة تمثيل قد نعتبره لأول وهلة بسيطا بحكم المعاينات السطحية السابقة ، لكن التعمق فيه يفصح عن حمولات لايستهان بها نظرا لما تحمله من دلالات عميقة تصور نمط عيش وتفكير .
فالسمنة إذن لا يمكن فصلها عن هذه العناصر الأخيرة فمن المعروف – بطبيعة الحال – أن لكل ظاهرة تقليدية معينة شروط تساهم في إنتشارها وصفات وطرق نقلت عن الأسلاف السابقين ، تعد النساء الشريحة المعنية بها لأسباب تطرقنا لها في عرضنا آنفا يكفي أن نذكر خضوع جل الصحراويين للتقاليد الموروثة التي يستحيل عصيانها كما أن إستحسان المرأة السمينة عندهم تصور نظرة الرجل الصحراوي لها قديما وحديثا .

نقطة أخيرة نريد أن نشير إليها ، أنه من الأخطاء الفادحة في مجتمعنا ، الحكم المطلق على فئة إجتماعية معينة بالتخلف نتيجة عدم بلوغها المستوى الثقافي المتعارف عليه ، فالمساطر الثقافية المدرجة بين صفحات الكتب سواء التي تهتم بالإنسان ورؤيته للعالم تغيب تلك الفئة القليلة لا نجد لها تبريرات لذلك فمن طبيعة الإنسان أنه كائن عاقل يفكر ويتعلم ، هذا ماقادنا إلى التنقيب في خبايا هذه الظاهرة " التسمين " ، لنجد أنها شهادة نادرة وقيمة تصور نمط عيش وتفكير ممتد في الزمان والمكان من غير المعقول أن تتعرض لإهمال الدارسين والباحثين ، ليس لجوهر الموضوع نفسه بل لأنها مثال حي يشكل قطرة في بحر لها علاقة بهذه النوعيات والشرائح المجتمعية الصغيرة ، قمنا بمعاينتها في عرض بسيط ، كان بمقدورنا أن نتوسع فيها أكثر لولا ضيق الفترة الزمنية المنجز فيها بسبب ظروف الإمتحانات حال دون تقديمها في موعدها المطلوب . آملين التعمق فيها أكثر مستقبلا من طرفنا أو حتى من طرف المهتمين بها .

مواضيع متشابهة
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة © 2013 | تصميم وتطوير: بلوجر